16‏/10‏/2009

استيقظوا


الصديق الصدوق

كنت قد وعدتكم بأنني سأسرد عليكم سرعلى بالغ من الأهمية، لولا أن الأجواء التي قد ضبضبت من حولي في المقهى والتي منعتني من سردها لكم حينها، أنا الآن في مكان آمن ولا خوف على حياتي بالرغم من إن الكوابيس ما زالت تلاحقني وتدك مضجعي كلما غزا النوم أجفاني، بالرغم من كل ذلك، إليكم الحكاية منذ البداية .

قادتني خطاي العاثرة والمغامرة إلى التشبث والإيمان بفكرة مجنونة، بعد إعلاني للشهادة ثلاث مرات، وباللغة الكوردية والعربية والألمانية، وعليه نويت وتوكلت، وشدت العزم باتجاه موطن أجدادي وأسلافي وديار أهلي وخلاني، فكرتي المجنونة تتلخص في اقتحام الحدود خلسة بين دولتين يذكر فيها اسم العسكر والمخابرات فيقف في بدنك كل شيء يمكن أن ينتصب، وحتى الدم يمكن أن يتخثر في العروق هلعا وخوفا، فأن وقعت بين أيديهم وأصبحت ضيفا على جحورهم فعلم أنك حتماً مفقود، وإن كتب لك النجاة والخروج فأنت من جديد من بطن أمك مولود .

اجتياز الحدود مغامرة لا تحمد عقباها، و تحتاج إلى أعصاب جامدة ودم بارد للوصول إلى الطرف الآخر، بدون أن يهز الجبن جفنك أو أطرافك، و يلامس الخوف قلبك أو عظام ركبتيك، وأنت في طريقك لاقتحام الأسوار الشائك وحقول الألغام، وأن تكون على قدر من الحذر والحيطة للإفلات من أبراج المراقبة، والإضاءة الليلية، والأسلاك المكهربة،وحتى أولاد الحرام المتعاونين مع السلطات المحلية، ومخبري السلطات عن كل غريب يشاهد في المنطقة، مع أن البعض منهم قد يساعدك ويقبض على رأسك مرتين، مرة منك ومرة أخرى كجائزة عن رأسك من مخفر الشرطة الحدودي ...

عندما رغبت في اجتياز الحدود السورية التركية، كان هناك سبب آخر شجعني ورمى بي في أتون تلك المغامرة، وهي البركة التي منحها الخليفة المؤمن " رجب طيب اردوغان " لوالي دمشق، والتي سبقها أكثر من زيارة ووليمة عشاء بين شاهبندرا التجار في كلا الطرفين، بعد إعلان والي متصرفية الشام التوبة عن أي تمرد أو عصيان، وبقاء ولاية اسكندرون/هتاي/ في أحضان الخليفة،المسلوخة عن قميص بني عثمان من ذاكرة اللسان والعقل والكتب المدرسية .

بركة الباب العالي سهلت حركة المرور وحركة التجارة، وخفضت التشدد على التأشيرة والفيزا، طبعاً والي دمشق بادر وبحسن نية إلى إجراءات مماثلة، وتبيض كل صفحات الماضي، والتخلي عن لواء العروبة؟؟؟؟ اسكندرون وعن مئات الآلاف من العرب ذو الغالبية العلوية هبة للخليفة، وقبلها إبعاد الزعيم الكوردي عبد الله أوجلان من سورية، ليتم اختطافه وأسرة فيما بعد في إحدى المحميات الإفريقية

الفكرة أتت من صديقي الصدوق، الذي لا يعلى عليه من عيون الحاسدين والحاقدين، فعندما روى لي طريقة نزوله إلى سورية ورجوعه كمواطن من الدرجة الأولى، وهو الموضوع على القائمة الحمراء وقائمة الزفت الأسود بهذا اليسر، قلت في نفسي أنا لها إن غاب زوجها، فصديقي لا يزيد عني شبرا من الشجاعة والرجولة، والحياة وقفة عز ورؤية عائلتي قبل أن يفلت العمر من يدي لا تقدر بثمن، ولعنت أبو الدنيا وأبو بوش حج أزاد، لعدم ركب رأسه الأحمق ومروره بدمشق قبل بغداد وتمنيت لو أن تيمورلنك يقوم من قبره ليرى حالتنا من بعده وحالة النسل الحرام الذي تركه لنا .

الموبايل هذا الاختراع الكافر، أطال الله في عمر صانعيه وأمد في عمر وارثيه قدم خدمة كبيرة لي في رحلة عبوري من تأمين خط الدخول والخروج بسلامة وهذا ما حصل مع صديقي أيضا وهذا ما جعل صديقي يرجع لعائلته في أوروبا سالما متعنتراً بهذا الانجاز البطولي، قلت أن صديقي الصدوق بين كل جملة كان يصف ملحمته بالمعجزة التي لا يصنعها إلا من أمثاله، في عصر أصبح الرجال على عدد أصابع اليد، مؤكداً من إن على شاكلته حين سيودع الدنيا إلى عالم السموات سينصب له تمثال للتذكير في نهاية عصر الرجال على وجه الأرض ؟؟؟؟ صديقي لم ينقطع عن وصفي بأخ الرجال وأنني من هؤلاء الزمرة الخارقة في الإقدام والشجاعة، وأنني من المرشحين لوراثة منصبه في الرجولة بعد أن يأخذ أبو خيمة زرقة أمانته، وقد اكتشفت متأخرا إن سيل المديح هذا لم يجلب لي غير البلاء والثبور، وجعلني على مقربة من أن أصبح مخصي وملغى من دفاتر الرجال الخارقين، عندها تذكرت نصيحة قديمة تقول: " إن أردت الخلاص من بعضهم، فما عليك غير النفش في ريشه وتعليق النياشين في عقله...... بعدها سيأتيك خبر نحبه أو شنقه على احد الطرق أو الحدود أو الجبال " ؟؟؟؟؟ .

صديقي بقدرته التعبيرية والحماسية جعلني أسرع في لملمة حقيبتي والحجز على أول طائرة متوجها إلى ديار بني عثمان، واضعا ما سرده لي كحجاب في صدري، وعناوين
وهواتف أصحابه المهربين كنقش في عقلي، في اليوم الثاني من وصولي اتصلت بالرقم الذي كان بالحجاب سرعان ما التقيت مع صاحب صاحبي وبعد قبضه المعلوم لم أحتاج إلى الكثير من الشرح والطرح، فقد سارت الأمور كالعسل وتم الاتفاق على الخطة وعلى تحديد الساعة صفر لانطلاق موكبي في اتجاه الحدود، فعبور الحدود بالنسبة له كشرب فنجان قهوة، وهكذا وجدت نفسي في خلال ساعات عدة في الجانب الآخر، وكانت الرحلة أشبه بمشاوري الأسبوعي للتسوق من هولندا والرجوع إلى منزلي الواقع على الطرف الآخر من الحدود الضوئية من ألمانيا، فقلت في نفسي يا للعجب هل أصبح الاتحاد اليوري متأخراً عن اتفاق الاتحاد العوري/الأرغواني والأسدواني/لتصبح الحدود بهذه السهولة ... سبحان من يتغير ولا يُغير ....

للوهلة الأولى كنت بغير مصدق بأنني أصبحت على مقربة مرمى حجر من إخوتي ووالدتي وقبر والدي واني واقفاً على ارض يحرقني الشوق والحنين لتقبيل ترابها ومعانقة أشجار زيتونها كما تعانقها العذارى وقت المواسم لتحقيق حلم حياتها ولقائها بفارس أحلامها، بعد اقل من ساعة كنت في كنف عائلتي غير مصدقين بأنني موجود بينهم وأنني إنا أبنهم صلاح بلحمي وشحمي ولست بجان أو عفريت، أحد أخوتي وبعد أن ذهبت السكرة وأتت الفكرة، رأى في زيارتي مساً من الجنون الرسمي ورأي آخر بأن زيارتي ستنكشف لا محال فلا أسرار في بلادي، ووجودي بينهم كوجود قنبلة موقوتة يمكن إن تنفجر في وجه جميع من يقترب مني أو يلامسني، وستفضي إلى دفنهم أحياء في سجن الوالي، وستكون العائلة من كبيرها إلى آخر مولود لها ثمناً لمغامرتي الطائشة، تلك الليلة تكورت كطفل صغير ونمت في أحضان أمي وقبلت جبين أخوتي وأوسعت أولاد إخوتي وأخواتي بالقبل وضمهم لصدري لأحمل ما استطيع بعض من روحهم وعبقهم لأبنائي المحرومون من اللقاء بهم واللعب معهم .

في اليوم الثاني ذهبت إلى لقاء أعمامي وأخوالي، الفرحة كانت أكبر مما كنت أتصور بالرغم من صور الحزن في عيونهم وقسوة العمر والسنين المرة على أكتافهم التي لم تعد تتحمل فوضى المدينة وفقر الحال،بعد أن أصابهم العجز في الكلام وحتى التفكير والتصريح .

في اليوم الثالث ذهبت أتجول مع بعض الحذر في الحارات والأسواق التي خبزتها وعجنتها بداخل ذكرياتي،...... هنا انقلبت الأمور وبدا لي أن ثمة كارثة تقترب مني، فأنا مراقب وملاحق بكل خطواتي، أجريت بعض المناورات الخلبية كالتي كنا نتعلمها أيام حياتنا الحزبية والنشاطات السرية في عبور بعض الأزقة الضيقة والنفاذ إلى أخرى بشكل سريع والالتفاف على بعض المحاور وأجراء أكثر من حركة أمان للتأكد بأنني في وضع سليم ....لكن لا نتيجة هم كالظل حولي وبجانبي، من بائع الجوارب، إلى سائق التاكسي، إلى الزبال، إلى شاب بهيئة طالب إلى سيد بطقم وكرفات،هل وقعت في المطب، هل انتهيت ؟؟؟ هل قضيت على عائلتي التي وقفت ضد لعبتي القاتلة هذه ؟؟ هل كنت ضحية صديقي الصدوق؟؟؟ صحيح من قال أنفشو و شوف ما اشحجشو؟؟

يا لا للمصيبة ويا للحونه ؟؟؟ هل أصبح قرار الهرب والعودة باتجاه الحدود متأخراً ؟؟؟هل يعقل إن العالم الذي يسير بقربي ومن إمامي وورائي وربما فوقي وتحتي كلهم من عسس وعسكر الوالي، ضربت أرجلي في الهواء وقلت مقتول مقتول،ومن حلاوة الروح رحت اركض كالمجنون، لحظات وانقلبت الدنيا كخيمة غائمة نصبت فوق رأسي وما تشوفو بعيد عنكم غير سيلاً من الأيادي والأرجل والبنادق والعصي من كل حدب وصوب، ولم أشاهد نفسي إلا وانأ محشور في داخل سيارة بيجو 505 وهي تشق الريح لكي لا تفسد أجواء آب اللاهبة على لحمي الطري المدمي، في الفرع كنت على موعد استقبال من ثلة من الضباط المزينين بالرتب ومن بعض المدنين والمكسبين بطقم ألسموكن ونظارات سوداء على عيونهم وأجهزة اتصال معلقة على أذانهم وبين أيديهم، خاطبني احدهم قائلا : شرفت أستاذ أهلا وسهلا معقول حضرتك تشرف ديارنا بدون حس أو خبر ، على الأقل خبرنا حضرتك انو راح تشرفنا بزيارة مفاجئة، على الأقل كنا نصبنا لك خوازيق في استقبال يليق بك وبأمثالك من الحثالة والعملاء والخونة ولا شايفنا جايين من وراء البقر وما نعرف قيمة الضيوف وما عنا كرم الضيافة .. و... و ... وانهي معلقته قائلا خذوه إلى صاحبه أبو فراس / بالمناسبة أبو فراس محقق في أمن الدولة سبق أن كنت بضيافته معتقلا ومارس جميع حقوق التعذيب والضيافة معي وكرمه دين في رقبتي لن أنساه ما حييت / خذوه لرؤيته فهو بأحر الشوق له، وحتى يلين الضيف قليلا سنشرب نخب هذا اليوم.... وسنعود لك ولكن حتى ينسلخ عظمك عن لحمك.

الكلمات الأخيرة جعلتني اتغوض في سروالي، تذكرت صديقي الصدوق، وحديثه عن الرجولة وخلق المعجزات، حينها شاهدت عيس مصلوبا، لكن سرعان ما غفوت من تلك الثواني، على ركلة وقبضات كالاسمنت، تشحطني كضحية العيد بغية ذبحها وسلخها بعد أن وضعوا" طماشة " كالتي توضع حول عيون البغال أو الأبقار للحراثة عليها وحتى لا تخرج من خط الفلاحة، وهم مستمرون في ركلي ودفشي وإنزالي عبر درجات لا تنتهي، إلى أن وصلت إلى غرفة رموني بها كالجيفة المتورمة لأخلد إلى أوجاعي وفزعي، أصبح صدري شبه ملتصق بظهري، قلبي ينبض بسرعة أكاد اختنق وفجأة ....... أحسست بضوء قوي ينير غرفتي ويعمي عيوني، وانفجار المكان بصياح يشبه صياح زوجتي، يمطر كالصاعقة وهي تنادي: „ نومه أهل الكهف والله.. لك يا زلمة قوم كفاك نوم ... من الأكيد انك تحلم كعادتك .. لك قوم وصل ابنك إلى المدرسة هو جاهز من ساعة وأنت تغط في الشخير......

.ت يدي الأولى على صدري لأتحسس نزفي ووجعي فلم أجد لا أثار لدم أو لورم، ....وضعت إصبع الوسطى" البعاصة" لثانية في إذني لأتأكد من صوت زوجتي فهل هو صوت المحقق أم انه فعلا صوت زوجتي... كم كنت سعيدا لأنني تأكدت من بعض المصطلحات التي أمطرتها زوجتي في إذاني ولا وقت لذكرها وهي موشحات صباحية لا يمكن إلا لزوجتي إن تسمعني إياها ؟؟؟

شكرت الله والرسل والأنبياء وعزرائيل وملائكة الرحمن و الأرض التي تمشي عليها إنجيلا ميركل المستشارة الألمانية،لأنني ما زلت حياً أكل وأشرب من مالها ومن مال أهلها واقتصادها وعلى خروجي سالما من سورية، وحمدت الله على مشيئته وحكمته في
أن أكون رهن التوبيخ والتنكيل بين يدي زوجتي،على أن أكون يوما ضيفا عند أبو فراس،
و ان كل ما جرى لي لم يكن إلا حلما وكابوس أسود، وخرجت بنتيجة أقولها لكم وبكل صراحة ........
نصيحتي لكم جميعا كي لا تقعوا بنفس المطب ومن صديق صدوق ...
استيقظوا ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق