11‏/11‏/2009

هيثم المالح ... الحق لا يوهن الأمة


ليس المطلوب من محامي سورية أن يقيموا الدنيا لاعتقال أحدهم بل أن يتذكروا أن عذريتهم هتكت

أتتذكرون محاصرة القوات الإسرائيلية لمقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في ما بات يعرف ب¯ "المقاطعة" , إنها لا شيء أمام اعتقال عميد الحقوقيين العرب الأستاذ هيثم المالح على يد قوات نظامه "الممانع" تارة و"الصامد" تارة أخرى .
لم نقرأ ذات يوم أن إسرائيل اعتقلت مناضلاً فلسطينياً في الثمانين من عمره , فرغم اعتقالها للمناضلين أمثال مروان البرغوثي وأحمد سعدات , فإن اعتقالها لهم ولغيرهم لم يأتِ على خلفية مقابلة تلفزيونية لم يتسع لها صدرها , كما ضاق بها صدر النظام السوري "الممانع" .
من هنا قلنا ونعيد القول , إن اعتقال المالح الذي يمثل سلطة القانون في تاريخ الدولة السورية , أفظع من محاصرة عرفات في مقر مقاطعته الذي تعاطف معه العالم أجمع , حتى أن الديكتاتور العراقي صدام حسين , لم يحدث أن اعتقل شيخاً كهلاً بتهمة " وهن نفسية الأمة" و"إضعاف الشعور القومي" , وهو أي صدام صاحب تلك الشعارات البالية ومطلقها في سماء العجز العربي .
ولو أن حافظ الأسد أمر باعتقال المالح , لتفهمنا الأمر في حدود عسكريتاريته وجنراليته القائمة على القمع والمنع للصغار قبل الكبار , ولعل ما حصل مع رفيق دربه اللواء صلاح جديد الذي أمضى نصف عمره خلف القضبان , يدلل على صحة طرحنا , لكن أن يحدث ذلك في عهد غير العسكري , وان تؤمر الاجهزة الامنية باعتقال من نصح السلطة ذات مرة عبر عشرات الرسائل والنداءات بعد تولي بشار الاسد مقاليد الحكم , فهو لأمر يشيب له رأس الرضيع وهو في مهده .
إن اعتقال هيثم المالح , يسطر نهاية مريعة لسلطة القانون والقضاء في سورية , ويكشف عن المستور والمزيف الذي تخفى خلفه رجال القانون في دولة اللاقانون , وينصحهم بإقفال دكاكين قضائهم المهلهل , لتبقى الكلمة الفصل حتى في حالات الزواج والطلاق والميراث , لمحاكم الأجهزة الأمنية والعسكرية التي تنفذ أحكامها بشكل مبرم لا مجال فيه للطعن , كأحكام الجنرال سليمان الخطيب التي فاقت في عنجهيتها أحكام سلفه الجنرال أحمد جمال باشا , ولا مثيل لها إلا في عصور ما قبل التاريخ .
لن نُذكر هنا بعزل الرئيس السابق ابرويز مشرف لشيخ القضاء الباكستاني افتخار تشودري, الذي أقام الدنيا ولم يقعدها في صفوف المحامين الباكستانيين والمدافعين عن سلطة القانون , فليس مطلوباً من محامي سورية المغلوب على أمرهم , أن يرفعوا الصوت عالياً تنديداً لاعتقال أحد أهم رموزهم في النزاهة والاستقامة , بل أن يتذكروا دائماً أن عذريتهم هتكت يوم هتك القانون .
لم اكتب هذه السطور تعاطفاً مع المالح كما فعل الكثيرون , بل انطلاقاً من صلب معرفتي ولقائي به , الذي ما وجدته إلا ثائراً على زمننا الرديء لا يكل ولا يمل , فكان بيته بحق صرحاً ثقافياً لما بقي من ثقافة مقموعة , ومكتبه نادياً حقوقياً لا يوصد بابه أمام القانونيين بعدما غاب القانون .
لقد برهن اعتقال المالح أنه انتقل كغيره ممن سبقوه من سجنه الأكبر إلى سجنه الأصغر , بعدما أوهن جذور الاستبداد وفضح عروش الفساد , ودفاعنا الوحيد , أن الحق لا يوهن "الأمة" .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق